قلت : لا !! ليس حب صداقة ، بل أكثر من ذلك بكثير
قالت : ماذا تقصدين؟؟
وضعت يدي على رأسي كمن يحاول الهرب من شيء و عيني لا تقوى على التحديق مباشرة في عينيها
تنفست الصعداء و عضضت على شفتي للحظة ثم قلت
: نعم .. أنا مثلية و أحبك ، لا أعرف لماذا ؟ كل ما أعرفه هو أنني أحبك حد الجنونقالت و الدهشة تعلو قسمات وجهها : هل جننتي ؟؟ عن أي حب تتكلمين .. هذا مجرد هراء
قلت : أنا آسفة ، لكنني أحبك كما لم أحب أحدا من قبلك ، لا أستطيع .. لا أستطيع أن أمنع نفسي ، فكل شيء خارج عن سيطرتي . أنا آسفة جدا
ساد صمت مخيف بيننا و لم تنطق بأي كلمة، تمنيت حينها أن أختفي من أمامها بأي وسيلة.. حاولت كسر حاجز الصمت بيننا و ساعتها لم أكن أعرف من أين لي تلك الجرأة لأقول : يراودني إحساس قوي بأنك تبادلينني نفس الشعور ، أليس كذلك ... أرجوك أنت تقتلينني بصمتك ، تكلمي أرجوك
قالت : لا أدري
نهضت مسرعة و أمسكت بيديها و قلت : يجب أن أذهب الآن ، أتدرين ! أريدك بشدة .. أريد أن تكوني حبيبتي
لا .. لا تقولي أي شيء الآن ، فقط فكري جيدا .. اتفقنا ؟ إلى اللقاء
..............
فتحت باب المنزل ، و إذا بي أجده ممتلأ بالناس : أبي و أمي و العائلة و صديقات أمي و الجيران
أحسست أن هناك شيء ما يدعو للإرتياب ، كل النظرات كانت موجهة نحوي و لم أدري من أين أتتني تلك الصفعة الجافة على وجهي ، أدرت وجهي لأجد أبي في أوج غضبه : يا بنت .. ألا تستحي من نفسك
قلت : لماذا .. ماذا فعلت لأقابل هكذا
قالت أمي : ألا تعرفين .. ؟ هذه هي آخر تربيتي لك . تنكرين الجميل بهذه الطريقة
قال أبي : انطقي يا بنت و إلا أوسعتك ضربا .. هل صحيح ما سمعناه عنك .. !! هل أنت مثلية
نظرت إليه و ذهبت بنظري لأتفحص كل تلك الوجوه المتجهمة التي تنتظر كلمة واحدة مني لكي تنهال علي بالضرب
قلت : أنا .. ؟؟ من قال هذا الكلام .. أنا لست مثلية صدقوني هذا مجرد كلام فارغ . و ذهبت مسرعة إلى غرفتي لأتحاشى مواجهتهم ، و في تلك الأثناء رن هاتفي ، كانت على الخط صديقة قديمة تسكن بمدينة أخرى
قالت : مابك ترتجفين هكذا .. ماذا حدث لك
قلت و أنا أبكي : لا أعرف من قال لأهلي أنني مثلية و حتى سكان الحي علموا بذلك
قالت : ماذا قلت !! .. يالها من كارثة ، إياك أن تعترفي و إلا لن تعرفي ما سيحدث لك على يد أولائك الناس التي ترانا مجرد عاهرات
قلت : هل جننتي .. لن أعترف لهم أنني مثلية ، سيقتلونني لا محاله
سمعت دقات قوية على باب غرفتي : افتحي أيتها الملعونة لقد سمعنا كل شيء ، افتحي و إلا كسرنا الباب
يا ويلي لقد كانوا يسترقون السمع .. يا إلهي ماذا سأفعل الآن ؟؟ ماذا سأ... نعم النافذة . التفت حولي بسرعة و يداي ترتجفان حملت بعض النقود من درج المكتب و قفزت من نافذة غرفتي فهي المهرب الوحيد الذي أنقدني من الجحيم الذي كان ينتظرني وجدتني أجري بدون هوادة ، لم أعد أحس بأرجلي .. كنت أجري ، أجري فقط ، إلى أين ؟؟ لا أدري
توقفت عند هاتف عمومي و اتصلت فورا بصديقتي التي اتصلت بي من قبل
ألوا .. أنا .. و انفجرت بالبكاء
قالت : أرجوكي تمالكي نفسك .. ماذا حدث
قلت و بالكاد أنطق بالكلمات : لقد انتهى كل شيء ، لا أعرف .. أنا تائهة
قالت : لا تخافي هوني عليك و لماذا يوجد الأصدقاء
قلت : أنا خائفة .. لا أظنني سأعود للبيت .. لا أعرف ماذا سأفعل
قالت : قلت لك لا تخافي ، اسمعيني جيدا .. استقلي أي قطار ، سأكون بانتظارك في المحطة
قلت : هل أنت جادة ؟
قالت : سأنتظرك ، إياك ألا تفعلي .. على الأقل سيكون ذلك مؤقتا حتى تهدأ تلك الزوبعة
قلت : حسن
أقفلت الخط و أعدت الإتصال لكن هذه المرة اتصلت بالفتاة التي سلبت عقلي و قلبي ، حكيت لها عن كل ما حصل لي : أريدك أن تسافري معي
قالت : ماذا ؟ هل فقدت صوابك ، لا أستطيع طبعا
قلت : هل تعرفين أنني أحبك .. ألا تفهمين أنني لا أستطيع أن أعيش بدونك .. يا ربي، كيف سأشرح لك
قالت : كفاك أنانية ، ألا تفكرين سوى بنفسك .. هل أنت الوحيدة التي تعرفين الحب ، أنا أحبك أيضا ، أحبك أيتها المجنونة لكن ما تطلبينه مني مستحيل
قلت : مستحيل ها ؟ و ماهو الذي ليس مستحيلا في رأيك !! أن أبقى هنا و أدعهم يصلبونني على باب المدينة ؟ أن أصبح مسخرة و على كل لسان ؟ لا أستطيع إلا أن أكون أنا .. حسم الأمر الآن و لم يعد هناك وقت للتراجع
قالت : انت قاسية
قلت : قولي ما تشائين .. اسمعيني جيدا ، سأكون في محطة القطارات بعد ساعة من الآن ، ان كنت تحبينني فعلا فأنت تعرفين كيف تبرهنين على ذلك ، و ان كنت لا تحبينني .... الوداع
أقفلت الخط و أنا أتجرع آلام الندم على ما قلته ، لكنني كنت مرغمة على ذلك
بدأت أجر قدماي نحو الطريق المؤدية إلى المحطة و أنا منهكة تماما ، لم أعد أحس برغبة في الحياة ، أخذت أنظر إلى بنايات مدينتي و أتذكر كل الذكريات السعيدة و الحزينة و اللحظات التي قضيتها هنا و هناك و كل تلك الوجوه التي قابلت
دخلت المحطة و كانت تعج بالمسافرين ، أحسست أن الكل يعرف أنني مثلية ، أصبحت أشك حتى في ظلي الذي يتبعني ، لم أستحمل ذلك الاحساس الرهيب و ذهبت مسرعة لأشتري تذكرتين ، نعم ، تذكرتين لي و لها . كنت واثقة من نفسي و في نفس الوقت خائفة من أن تكون ثقتي مجرد أوهام ستتلاشى عندما أكتشف الحقيقة المرة
وقفت أمام القطار كجثة هامدة ، لا أفكر في أي شيء ، كأنني مبرمجة مسبقا على أنني سأستقله دون أن أعرف ماذا بعد
نظرت إلى ساعتي ، لم يعد هناك متسع من الوقت و القطار يطلق صافرته التي تزرع الخوف في النفس التفت حولي مئة مرة و لم أجد لها أثر ، هل يعقل ؟؟ لا .. لا .. ستأتي
أحسست بيد تربت على كثفي، خفت كثيرا يا إلهي هل يعقل؟ الفت لكنني لم أجد سوى حارس المحطة..رجل عجوز يبتسم لي : اصعدي القطار يا ابنتي سينطلق بعد لحظات نظرت إليه بعيني الجامدتين و لم أنطق بكلمة و صعدت القطار و تمسكت ببابه أترقب حضورها .. بدأ القطار يتحرك ببطئ ، شيئا فشيئا و أنا أنظر يمينا و يسارا .. أحسست أن قلبي سينتزع من مكانه من شدة اليأس و الكآبة التي أصبت بهما .. بدأ القطار يتحرك ببطئ ، شيئا فشيئا